الوقفُ في الفقه الإسلامي معروفٌ في الأرض والعقار والأوقاف النقدية، لكنّ مفهومه أوسعُ من ذلك. فكلّ ما يُنتفعُ به مع بقاء عينه، ويُحبسُ أصله ويُسبّلُ ثمرته، يصحّ أن يكون وقفاً — والبرمجيات مفتوحة المصدر أنسبُ مثالٍ على ذلك في عصرنا.

حين يكتب المطوّرُ سطراً من الكود ويُطلقه للعالم تحت رخصةٍ حرّة، فإنه لا يمنحُ الناسِ منفعةً مؤقتة فحسب، بل يؤسّس أصلاً يبقى يُنتفعُ به ما دام المشروعُ قائماً. هذا هو جوهرُ «وقف البرمجيات»: حبسُ الأصل (الكود المصدري) وتسبيلُ المنفعة (الاستخدام والتعديل والنشر).

ما حقيقةُ وقف البرمجيات؟

وقفُ البرمجيات ليس مصطلحاً حادثاً يُخترعُ من عدم، بل هو تطبيقٌ لمبادئ الوقف المعروفة على أصلٍ رقمي. والأصل الرقمي يتميّز بأنه:

وهذه الخصائصُ الثلاثُ تجعلُ البرمجيات مفتوحة المصدر أقربَ الأصول الرقمية إلى روح الوقف، إذ يتحقّق فيها «بقاء العين» و«سبيل المنفعة» على أكملِ وجه.

«إنّ من أعظم ما يُوقفُ في هذا الزمان: العلمَ النافعَ المُيسّر. وما كان يوماً عسيراً فعُبّدَ بالكود المفتوح، فقد صار وقفاً ينتفعُ به الناسُ بعد صاحبه.»

الأركانُ الثلاثة لوقفٍ تقنيٍّ صحيح

لكي يستقيمَ وقفُ البرمجيات على شرطٍ سليم، لا بدّ من تحقيق ثلاثة أركانٍ تتكامل، وهي في جوهرها الأركانُ الفقهية للوقف مطبّقةً على السياق الرقمي:

١. الواقف — صاحبُ الكود

الواقفُ هو مالكُ الأصل، المُتصرفُ فيه تصرّفاً صحيحاً. في وقف البرمجيات، الواقفُ هو المطوّرُ أو الفريقُ الذي يملكُ حقوقَ الكود ويملكُ حقّ إطلاقه. ولا يصحّ الوقفُ إلا من مالكٍ مختار، فلا يجوزُ وقفُ ما لا يملكُه الإنسان، ولا ما فيه حقٌّ لغيره لم يُؤذن فيه.

٢. الموقوف — الكود المصدري

الموقوفُ هو الأصلُ المحبوس. ويُشترطُ فيه أن يكون منفعتُه مباحةً، وأن يكون معلومَ القدر، وأن يبقى بعد الوقف قابلاً للانتفاع. والكودُ المصدري المُرخّصُ برخصةٍ حرّة يحقّقُ هذه الشروط: معلومٌ (موجودٌ في مستودعٍ عام)، مباحُ النفع، ودائمُ البقاء ما دام المستودعُ قائماً.

٣. الموقوف عليه — المستفيدون

الموقوفُ عليه هو الجهةُ التي تُصرَفُ إليها المنفعة. وفي وقف البرمجيات، المصرفُ أوسعُ ما يكون: كلُّ مسلمٍ — بل كلِّ إنسانٍ — ينتفعُ بالأداة، ويطّلعُ على الكود، ويُطوّرُ عليه. وهذا من أعمّ أوجه الوقف، إذ يصدقُ عليه «وقفٌ على المسلمين» الذي عدّه الفقهاءُ من أبرّ أنواع الوقف.

لماذا المصدرُ المفتوح أنسبُ وعاءٍ للوقف التقني؟

قد يقولُ قائلٌ: ولِمَ لا تكونُ البرمجياتُ المغلقة وقفاً إذا أُتيحت مجاناً؟ والجوابُ أنّ الوقفَ يقتضي بقاءَ الأصل منتفعاً به ولو انقطعَ الواقف. فإذا انقطعَ مالكُ البرمجيات المغلقة، تعطّلَ الانتفاعُ بها لانقطاع التحديث والدعم. أمّا المفتوحُ منها، فيبقى قابلاً للصيانة والتحسين من قِبل المجتمع، فيستمرُّ النفعُ ويتحقّقُ مقصودُ الوقف.

ولذلك نرى أنّ رخصَ البرمجيات الحرة (مثل GPL وMIT وApache) تتفقُ في جوهرها مع شروط الوقف: تبقى الأصولُ مفتوحةً، وتُسمحُ بالانتفاع والتعديل والنشر، ولا يملكُ أحدٌ أن يحتكرَ ما أُطلقَ للناس. ومن هنا كان إطلاقُ المشروع تحت رخصةٍ حرّةٍ بنيّةِ الوقف من أتمّ صور وقف العلم في زماننا.

الصيانةُ طويلة الأمد: تحدّي الوقف الرقمي

أكبرُ تحدٍّ يواجهُ وقفَ البرمجيات هو ضمانُ استمرار الصيانة. فالكودُ كائنٌ حيٌّ يتطلّبُ تحديثاتٍ أمنية، وإصلاحَ العلل، ومواكبةً لتطوّر المنصّات. ولذلك ينبغي على المبادرات الوقفية التقنية أن تؤسّسَ آليةً واضحةً لإدارة المشروع بعد مؤسّسه، من خلال:

وإذا تحقّقت هذه الشروط، صار المشروعُ وقفاً حقيقياً ينتفعُ به الناسُ اليوم، ويبقى نفعُه متصلاً غداً. وهذا هو ما نسعى إليه في وقف تك: أن يكونَ كلُّ مشروعٍ نُطلقه وقفاً لله تعالى، يثمرُ أجراً لصاحبه بعد انقضاء عمله، ويخدمُ الدعوةَ والتعليمَ الإسلاميَّ حول العالم.

// مثال: رخصة المشروع كوقفٍ مفتوح
{
  "license": "MIT",
  "waqf": true,
  "beneficiary": "المسلمون",
  "maintenance": "مفتوحٌ للمجتمع",
  "duration": "مستمرٌّ ما دام المشروعُ قائماً"
}

نسألُ الله أن يجعلَ ما نكتبُه خالصاً لوجهه، نافعاً لعباده، دائمَ الأثرِ ما دامت السماواتُ والأرض. وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربّ العالمين.